ابن حمدون
295
التذكرة الحمدونية
فماذا يصف الواصف من عنزك ونبلها ، ويعدّد من خيرها وفضلها : أخلاقها الطيّبة أم آدابها المعجزة ، أم ذكاءها عند الرجعة من الرعي ، ووقوفها على بابك بالسكون والهدي ، حتى إذا فتح لها ولجته ذاهبة إلى مربطها ، منقادة لقائدها . فمهما تنس لا تنس أيها الحاجب لبأها المزعفر عند الولاد ، ووطبها الملفّف في البجاد ، والائتدام بلبنها إذا أعوز الإدام ، ورواسلها العامرة للمنزل ، وأنيابها المشيدة بذكرك في المحفل ، وأمصالها المتناقلة بين الدور ، وأبعارها الساجرة للتنّور . وكائن من عنز حاولت اللحاق بها فنكلت ، ورامت المماثلة لها فعجزت ؛ هذا وقد عدمت من فضلات ألبانها الوسيعة ، وأثمان عنقها المبيعة ، ما كان عدّتك في عامّة أمورك ، ومادّتك في ملبسك وبخورك . وكم جدي لها أكرم عن الذبح ، واستخلص للقراع والنّكح ، قد نتج أولادا أنجابا يعرفون بك ويعزون إليك ، ويحيلون بصريح نسبهم في التيوسة عليك ، وهذه فضيلة مغفول عن ذكرها ، ومنقبة يقصّر لسانك عن شكرها ، وكأني بك متى لقيت من أسباطه نجيبا ، وجارا لخصييه ينبّ نبيبا ، خار صبرك وقلبك ، وطار حلمك ولبّك ، وتذكَّرت ما يبكيك ، ونسيت عند رؤيته ما كان يسليك ، وحقّ لك ، غير أنّ الثواب المكتسب أجلّ الأعواض عنها ، والأجر المذخور خير لك منها ، فلا مردّ للقضاء المحتوم فقد فقد الناس الأغنام ، ومارسوا الضرورة والإعدام ، ثم جبر اللَّه المصائب ، وعوّض عن الفائت الذاهب . فأحسن اللَّه لك العزاء عن عنزك وجديك ، وخفّف ثقل أسفك عليهما ووجدك ، ودمل بالتسلَّي خموش وجهك وخدّك ، وربط على قلبك بالصبر عند مشاهدة مربطها ، وآنسك بالسّلوة عن عطاسها وضرطها ، ولا أخلاك من قرينة تسدّ مسدّها في عمارة خلَّتك ، وتقوم مقامها في مطاعمك وأغذيتك ، وألحقها بالأغنام الشهداء ، وجمع بينها وبين قرابين الأولياء ، وحشرها مع الأضحيات ، ورفعها إلى منازل الهدايا المشعرات ، ووفّر أجرك عليها من متوفاة ، ولا أجرى دمعك بعدها على شاة ، إنه